0:00 ها يا "ميزو"، ركّز معايا، ما تكشفنيش، كل الجيران بيقولوا عليك غبي! طب ما عندهم حق يا ماما. يلّا، جاوب. أين وقعت معركة "حطّين"؟ معركة "حطّين"؟! أيوة يا حبيبي. طب ادّيني أمارة. آه يا أمّا! طيب، بلاش دي، صعبة. آه، بلاش، صعبة! مش حلوة! يا حبيبي، اسم المعركة من اسم المكان. يعني مثلًا، أين وقعت غزوة "بدر"؟ - دي سهلة. - الحمد لله. غزوة "بدر"، دا حتى من اسمها، يا ماما. اللهم صلِّ على النبي! أكيد في مدينة "بدر". آه يا حِزني يا أمّا! على كدا بقى، حرب أكتوبر وقعت فين؟ أكيد في "6 أكتوبر"، بعد "جهينة" على طول. أستغفر الله العظيم يا رب، بجد مش قادرة، مش قادرة! "الحُصَري"؟! طب بابا ذنبه إيه؟! أنا اللي أخطأت! أنا اللي ما اخترتش صح!
0:49 انتي... انتي أم مش تقدمية، على فكرة! أعزائي المشاهدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلًا بكم في حلقة جديدة، من برنامج "الدحّيح"! في واحد من أيام سنة 11 هجريًا، صحيت "المدينة المنورة" على خبر مزلزل، المرض اشتد على النبي، صلى الله عليه وسلّم، وغلبته الحُمى، ومات! مرض النبي ما كمّلش أسبوعين، أغلب الناس كانوا فاكرين، أو تمنوا، إنها تكون وعكة بسيطة، عشان كدا، أهل "المدينة" من المهاجرين ومن الأنصار لمّا سمعوا هذا الخبر، خبر وفاة النبي، كانوا في حالة ذهول! وقتها، خرج الصحابي "أبو بكر الصدّيق" على الناس، وتلا الآية الكريمة... الآية دي، يا عزيزي، كانت بتفكّر الناس إن "محمد" رسول من عند الله، ولكنه بشر، بيموت في النهاية،
1:35 الآية دي برضه، يا عزيزي، حملت نبوءة، وهي الانقلاب على الأعقاب. الأعقاب هو جمع "عَقِب" اللي هو الكعب، المعنى الحرفي للكلام هو إن الواحد يمشي أو يرجع ورا، والمعنى المقصود هنا رجوع الناس لما كانوا عليه قبل الإسلام، ودا، يا عزيزي، بالظبط اللي بيحصل في جزيرة العرب بعد وفاة النبي. صحيح، يا عزيزي، إن مساحة هذه الدولة في الوقت دا كانت هي كل الجزيرة العربية، ولكن معظمها قبائل دخلت الإسلام بعد فتح "مكة" 8 هجريًا، ودا معناه إن عمر الدولة دي يا دوب 3 سنين، وكتير من القبائل اللي دخلت الإسلام في هذا الوقت كان ما زال بداخلهم حقد قَبَلي، "ازاي احنا قبائل زي (أسد) و(هوازن) و(غطفان) و(تميم) اللي موجودين في وسط وشرق الجزيرة العربية، ازاي احنا نخضع لناس موجودين في (الحجاز)، ناس في غرب الجزيرة العربية؟! (قريش) مين و(أوس) مين و(خزرج) مين اللي هنتّبعهم؟!" لدرجة، يا عزيزي، إن "مسليمة" لمّا ادّعى النبوة،
2:21 فيه شخص اسمه "طلحة النميري" قالّه... "ربيعة" دا، يا عزيزي، يبقى فرع العرب اللي منه بني "حنيفة"، واللي منهم مين؟ "مسليمة". و"مُضَر" دا فرع "قريش" اللي منهم النبي، وبالتالي، موت النبي زي ما أصاب "مكة" و"المدينة" باضطراب وحزن، فهو برضه، كان فرصة مثالية لأي حد عايز ينقلب على سُلطة الدولة. بعض الأقوام، زي بني "تميم" مثلًا، قالتلك: "احنا مش هندفع زكاة." وامتنعت دي معناها مش إن هما قالوا إن احنا "ما فيش حاجة في الإسلام اسمها زكاة." ما أنكروهاش، لأ، قالوا: "احنا مش هندفع زكاة لمركز الدولة." اللي بيمثله "أبو بكر الصدّيق". ورغم إن هما بالشكل دا ما زالوا مسلمين، إلا إن الصحابي "أبو بكر" كان فاهم كويس أوي إن أفعال زي دي هتفتح بعد كدا الباب لتمرد أكبر.
3:10 العِقال دا، يا عزيزي، يبقى الحبل. الحقيقة، يا عزيزي، إن الامتناع عن الزكاة لم يكن التمرد الوحيد، حصلت مثلًا في "اليَمَن" حركات رِدّة في قبائل زي "أسد" و"غطفان"، ابتدا يظهر ناس بيدّعوا النبوة، ومنطقة زي "اليمامة"، اللي فيها بنو "حنيفة"، اللي هما بتوع "مسيلمة"، حصل فيها ارتداد كامل واستعداد لحرب مع المسلمين! كل دا، يا عزيزي، بيحصل، وفيه أعداء حقيقيين على حدود الدولة، أعداء كبار، الروم والفُرس، كل دا، يا عزيزي، كان مدركه "أبو بكر الصدّيق". دا، يا عزيزي، ممكن يبقى غريب بالنسبالنا شوية، لأننا دايمًا متعودين على صورة "أبو بكر الصدّيق" كشخص حليم، عاقل، هادي، لكن دلوقتي بنشوفه مش هيتهاون، مش هيتهاون في حبل، فما بالك بقى بناس بترتد عن رسالة رسول الله؟! ولكن الكلام سهل، والإرادة السياسية جميلة وكل حاجة، بس تنفيذها، يا عزيزي، يحتاج Execusion، كفاءة حربية، ومن هنا تحديدًا، بتبدأ الأسطورة العسكرية...
4:00 حروب الرِدّة، يا عزيزي، كانت البداية، بسرعة يتحرك جيش المسلمين لديار "أسد" و"غطفان" وفورًا بيعيدوهم لطاعة الدولة. ولكن، يا عزيزي، الصعوبة الأكبر بتبقى في منطقة اسمها منطقة "اليمامة"، اللي هي كان فيها مين؟ "مسليمة"، فكتب "أبو بكر الصدّيق" لـ"خالد بن الوليد" وقال... وبالفعل، بيتحرك لهناك ومعاه جيش من 13 ألف من المهاجرين والأنصار، ولمّا وصل مكان اسمه "عقرباء"، لقى بني "حنيفة" اجتمعوا تحت قيادة "مسليمة"، وعددهم بقى كام؟ 40 ألف، هو 13 ألف، و"مسليمة" 40 ألف. خطب فيهم "مسليمة" وقال...
4:57 خطبة "مسليمة" عبّرت عن المعركة كصراع وجودي، ولازم طرف يسحق فيها الطرف التاني، عشان يعترف بالهزيمة. وبالفعل، يا عزيزي، بيصطدم الجيشين، وفرق العدد عمل أسوأ حاجة ممكن تحصل لقائد عسكري، جيش المسلمين ارتبك، والجنود دخلوا في بعض، اختلطوا ببعض، والصفوف اتفرّقت، والناس بدأت تهرب، المفاجأة إن بني "حنيفة" كانوا بيقاتلوا بضراوة غير عادية، لدرجة إن هما وصلوا لخيمة "خالد بن الوليد". من الحوادث المشهورة في اليوم دا، إن أحد الصحابة، وهو "ثابت بن قيس بن شمّاس" حامل راية الأنصار، حفر حفرة، يا عزيزي، ونزل فيها لحد ركبته، عشان يفضل واقف وما يتراجعش، فضل في هذه الحفرة لحد ما مات. و"زيد بن الخطّاب"، أخو "عمر بن الخطّاب"، حامل راية المهاجرين، اللي فضل يتقدم، والناس بتهرب من حواليه، وهو بيقول... لحد، يا عزيزي، ما بيموت هو كمان!
5:42 وفي الفوضى دي، وهذه الحالة من الهلع، "خالد بن الوليد" بيقرر إن هو يعيد تنظيم الجيش، ولكن بقى المرادي على أساس صِلات الدم، يعني إيه؟ هنقسّم المجموعات لمجموعات من عشيرة واحدة، أو أُسَر واحدة، بحيث، يا عزيزي، إن كل مقاتل يبقى شايل اسم عيلته وأبوه وأعمامه، فلو تخاذل، مش هيبقى بيخذل نفسه بس، لأ، دا هيبقى بيخذل أهله واسمه، ومشي "خالد" بين الصفوف، وكان بيتوصف في اليوم دا بإنه... ودام القتال بضراوة وبعنف غير مسبوق، وكل طرف، يا عزيزي، مستميت على هزيمة الطرف التاني، لحد ما بيقدر جيش المسلمين إنه يتقدم ويحاصر بني "حنيفة" ويقتلوا "مسليمة"، وبكدا، ينتهي خطر آخر وأقوى المرتدّين. وبنشوف كُتُب، زي "الكامل" لـ"ابن الأثير"،
6:28 وصفت "خالد بن الوليد" في المعارك دي، وقالت... "خالد بن الوليد" بمعايير زمنه هو فارس مغوار، أثبت كفاءته في كل المعارك اللي دخلها، ولكن المفارقة إن كفاءته، يا عزيزي، لو تأملت، هتلاقيها مش فريدة بمقاييس زمنه بس، لأ، دي ممكن تبقى فريدة بمقاييس زمننا احنا كمان، كُلّية أركان الحرب الأمريكية عملت، يا عزيزي، عنه دراسة سنة 2012، حلّلت فيها حملاته ضد الفُرس، بمنطق فن العمليات الحديث. التحليل، يا عزيزي، كان بيقول إن هو طبّق مبادئ عسكرية متقدمة جدًا لسة ليها قيمتها لحد النهاردة، المكتبة العسكرية العالمية ضمّت كُتُب كاملة بتركّز برضه على نفس الفكرة بنشوف مثلًا كُتُب زي The Great Arab Conquests وThe Early Islamic Conquests. والسؤال هنا، ازاي هذا الرجُل في القرن السابع قِدِر إنه ينفّذ أو يبتكر تقنيات عسكرية ما يتمش تدوينها غير بعض قرون؟
7:14 عشان نفهم دا، يا عزيزي، خلّينا نحاول نبص على هذا الموضوع بعيون عسكرية، مش بس بعين التاريخ. وزي أي محلل استراتيجي، يا عزيزي، خلّينا نبص في البداية على الخريطة، خريطة جزيرة العرب، مسرح العمليات، هنشوف ساعتها الروم البيزنطيين والفُرس الساسانيين، أكبر قوّتين في العالم، والمنطقة، ما شاء الله، بتغلي، ساحة حرب مستمرة بينهم، من سنة 602 لسنة 628 ميلاديًا. للمفارقة، يا عزيزي، الحروب دي استنزفت الإمبراطوريتين، "هرقل" إمبراطور "بيزنطة" في الآخر نجح إنه يكسب "كسرى الثاني"، آه، دا حصل، ولكن الاتنين كانوا بعد هذه الحرب مُنهَكين، انت عارف، يا عزيزي، الحرب بتجوّع! مدن منهارة، جيوش مُنهَكة، خزائن فاضية. الروم، يا عزيزي، على الورق لسة أقويا، ولكن مشكلتهم إنهم متشتتين بخلافات داخلية، والفُرس في حالة أسوأ، فوضى بقى وحروب أهلية بعد مقتل "كسرى"، كأنك شايف 2 ملاكمين عواجيز في الجولة الـ12،
8:03 واقفين بالعافية على رجليهم! هنا، يا عزيزي، العرب كانوا هما الـUnderdogs، اللاعب الجديد على الساحة، بعد ما كانوا طول الوقت على الهامش، زي ما تقول، بتبدأ تحصل تغيرات مهمة تفتحلهم الطريق وتفضّيلهم الساحة. القبائل القوية في المنطقة العربية وقتها كانت يا إما متحالفة مع الروم يا إما متحالفة مع الفُرس، وبتدور في فلكهم، ولكن القبائل دي انهاروا قبلها بسنين، مثلًا، الغساسنة، الغساسنة دُول العرب المسيحيين خلفاء "بيزنطة" في "الشام"، الغساسنة دُول اتدمروا في حرب مع الفُرس سنة 614 ميلاديًا، والمناذرة حُكّام "الحيرة" حلفاء الفُرس قضى عليهم "كسرى" قبلها سنة 602 ميلاديًا، ودا، يا عزيزي، ساب فراغ أمني ضخم على حدود "الشام" و"العراق". في قلب الجزيرة العربية، الجيش كان متماسك، بعد ما أنهى حروب الرِدّة وحافظ على وحدة دولة الإسلام، وكان على استعداد إنه يوسّعها، الجيش دا عنده خبرات عسكرية وعنده ثقة بنفسه،
8:49 واتجه بقى للفراغ اللي سابته قبائل الغساسنة والمناذرة وبدأ يقول: "الفراغ دا بيحصل فيه إيه؟ ما أستكشفه." خلاص، الصحرا اللي كانت منطقة عازلة بين القوتين الروم والفُرس أصبحت طريق مفتوح، ما فيش عيون استخبارات ترصد تحركات القبائل زي الأول، ودي حاجة خدمت الجيش العربي الجديد، لأنه قدِر يختار محاور هجوم غير متوقعة ويمشي في طرُق صحراوية مش مرصودة بسهولة. وعلى سنة 633 ميلاديًا، كان الخليفة "أبو بكر الصدّيق" عنده جيش جاهز لطموحات أكبر، لـ"الشام"، ضد الروم، ولـ"العراق" ضد الفُرس. العرب، يا عزيزي، لأول مرة، بيقودوا فتوحات عالمية مع قوى كبرى، ومن هنا، بدأ يظهر نجم "خالد بن الوليد" كأبرز قائد في المعارك دي، قائد عسكري فذ، صعب أحكيلك عن معاركه كلها في حلقة واحدة، دا مقاتل على فراش الموت كان بيقول إنه شهد لوحده ما يُقارب مئة زحف، 100 معركة.
9:36 ولكننا، يا عزيزي، في هذه الحلقة، هنقف على 3 معارك بس، وهما مش معارك عادية خالص، لأ، دي معارك فارقة، قادرين يكشفوا أسلوبه العسكري وعبقريته الحربية. خلّينا، يا عزيزي، نبدأ بأول معركة، المعركة اللي حصلت قبل وفاة النبي وقبل حروب الرِدّة، وقبل ما يبقى "خالد بن الوليد" قائد رسمي أصلًا، خلّينا، يا عزيزي، نروح لغزوة "مؤتة" سنة 8 هجريًا. بعد صُلح "الحديبية" سنة 6 هجريًا، اللي كان من شروطه هدنة 10 سنين بين المسلمين و"قريش"، تفرّغ النبي لنشر دعوته وبعت رسوله "الحارث بن عمير الأزدي" لدعوة واحد من ملوك الغساسنة اسمه "شُرحبيل الغساني". "شُرحبيل"، يا عزيزي، مش مجرد بيرفض الدعوة، لأ، دا كمان بيقتل "الحارث"! وساعتها، قام رد المسلمين بحملة عسكرية حوالي 3000 مقاتل اتجهوا ناحية "البلقاء" في "الأردن"، عشان يعاقبوا الغساسنة اللي قتلوا المبعوث.
10:22 المسلمين اتحركوا شمالًا، ولكن عند "مؤتة"، اتفاجئوا بجيش بيزنطي ضخم متحالف مع مين؟ مع الغساسنة. عشان كدا، كان عندهم قلب يقتلوا المبعوث! الحقيقة، يا عزيزي، إن جيش المسلمين كان قليل جدًا قُصاد قوة منظمة كبيرة زي دي، النبي وقتها كان مجهّز قيادة متسلسلة، "زيد بن حارثة"، ولو اُستشهد، يبقى "جعفر بن أبي طالب"، ولو اُستشهد، يبقى "عبد الله بن رواحة"، والحقيقة، يا عزيزي، إن الـ3 اُستشهدوا واحد ورا التاني في بداية القتال، فجأة، الجيش وفي ذروة المعركة بقى من غير قائد. هنا، "ثابت بن أقرم" رفع الراية وقال... فقاموا رادين عليه، قالوله: "أنت." ولكنه رفض. "خالد بن الوليد" وقتها كان تاريخه في الإسلام جديد، بعض الروايات بترجّع تاريخ إسلامه لسنة 7 هجريًا، وناس تانية بتقول 8 هجريًا، يعني، قبل شهور قليلة من "مؤتة"،
11:08 بس الأكيد، بإجماع المؤرخين، إنه أسلم بعد صلح "الحديبية"، وقت، يا عزيزي، كان حرج جدًا ومش محسوم في تاريخ دولة الإسلام، الصراع مع المشركين موقوف على صُلح، وفتح المسلمين لـ"مكة" لسة ما حصلش. فجأة، يا عزيزي، بيلاقي نفسه في قلب معركة، كل موازينها مايلة لصالح العدو، ولكنه، يا عزيزي، بيلاقي "ثابت" بيسلمه الراية: "اتفضل." لو جيت، يا عزيزي، تأملت، هتجد إن هو بيعمل حاجة غريبة، هو بيثق في مقاتل أغلب حروبه كانت وقت الجاهلية ضد المسلمين، بيقولّه... وبالفعل، المسلمين بيتفقوا معاه إن "خالد" هو اللي هيقودهم. دي، يا عزيزي، كانت لحظة فارقة، جيش صغير مُحاصَر، معنوياته منهارة، وقائد جديد ماسك الراية لأول مرة. "خالد"، يا عزيزي، قُدّامه اختيارين، يقاتل للآخر زي القادة اللي سبقوه، ويفنى بجيشه، أو يؤمر بانسحاب عشوائي، وطبعًا، الانسحاب دا، طول ما هو غير منظم بتبقى خسايره مروعة،
11:56 كدا وحِش، وكدا وحِش! هيعمل إيه "خالد بن الوليد"؟ هيروح لـTechnique تالت، هيعمل خطة انسحاب بتكتيك عبقري، استنى، يا عزيزي، لحد بالليل، وقام مبدّل مواقع الصفوف، الميسرة هتروح مكان الميمنة، والمقدّمة تبدّل مع مؤخرة الجيش، والعكس، وأمر الجنود إن هما يغسلوا أسلحتهم وهدومهم، عشان يبانوا الصبح كأنهم قوة جديدة لسة جاية، دُول مش نفس الجنود اللي أنهكهم القتال امبارح، لأ، دي قوة جديدة، وقام مغيّر أماكن الرايات واللي شايلينها، وبعت فرسان يعملوا زي عفرة فوق التلال، ويكبّروا بأصوات عالية طول الليل، عشان يوهموا الروم إن مدد كبير وصل. الصبح، يا عزيزي، الروم بيتفاجئوا، "إيه دا؟! فيه تشكيل مختلف! فيه رايات في أماكن جديدة!" وجوه غير اللي شافوها امبارح، مع غبار وتكبيرات في الخلفية، وزي ما انت متوقع، يا عزيزي، بيقعوا في الفخ، وبيبدأوا يرتبكوا، قالوا لنفسهم: "احنا بنحارب جنود قليلين، وتعبونا في الأيام اللي فاتت،
12:45 ما بالك بقى بجنود جداد؟!" "خالد"، يا عزيزي، بيستغل هذا الارتباك، وبيهاجم قلب الجيش، هيهاجمهم، يا عزيزي، بشراسة، لدرجة إن 9 سيوف اتكسروا في إيده، وما فضلش معاه غير سيف واحد، الهجوم أربك العدو أكتر، وخلّاهم يصدّقوا إنهم قُدّام جيش جديد فعلًا. وبعد ما عمل هذه الصدمة وهذا الـAction، بدأ ينسحب بانضباط، انسحاب تدريجي، بيقاتل وهو بيرجع خطوة بخطوة، ويمركز نفسه في آخر الكتائب، عشان يحمي الانسحاب. الروم كانوا شايفين انسحاب منظم، والحقيقة، إن هما خافوا إن هما يطلعوا يطاردوه في الصحرا، لأ، خُد بالك، ما تخلّيش العدد الصغير دا يغريك، يمكن يبقى كمين يجرهم لقوة أكبر في المؤخرة. بعبقرية، يا عزيزي، فذة ممزوجة بشجاعة نادرة خرج "خالد" بالجيش كله تقريبًا، وخسر 12 واحد من أصل 3000، أما الروم تكبدوا خسائر أكبر بكتير.
13:31 على حسب الروايات، لمّا الجيش دخل "المدينة المنورة"، استقبلهم بعض أهلها بنداءات خزي، قعدوا يقولولهم... ولكن، هنا النبي بيتدخل وبيقول... وفي قلب اللحظة دي، بيمنح "خالد" لقبه اللي هيرتبط بيه إلى الأبد... لو بصينا، يا عزيزي، بعيون عسكرية، هنلاقي إن درس "مؤتة" درس عظيم، في العقيدة العسكرية الحديثة، دا اسمه "انسحاب تكتيكي منظم"، Retrograde، جزء من العمليات الدفاعية اللي بتحمي القوات من الفناء، وتدّيها فرصة تقاتل تاني، الدرس هنا إن الشجاعة مش تهور، القائد الشجاع لازم يبقى عارف امتى يهجم، وامتى يتراجع بكرامة. ولو بصينا بعيون التاريخ، هنلاقي "خالد" قدّم في "مؤتة" معنى جديد في الشجاعة، قرار مش بس بينقذ الجيش، لأ، وإنما أنقذ الدولة الناشئة من كارثة عسكرية، وكمان، رسم الطريق لمستقبل الدولة الإسلامية.
14:17 "مؤتة" أثبتت إن المسلمين، حتى لو انسحبوا، بيتعلموا يرجعوا أقوى. خُد بالك، يا عزيزي، إن اللحظة دي لحظة مهمة جدًا في تاريخ هذه الدولة الناشئة، دا كان أول صدام مباشر مع جيش نظامي بأسلحة ثقيلة، زي الفرسان المدرعة مثلًا، يعني، تجربة عملية للطرفين، الروم شافوا جرأة العرب، والمسلمين لأول مرة أصبح عندهم خبرة في مواجهة إمبراطورية ضخمة. الجيش اللي نجا من "مؤتة"، هو نفسه اللي شارك بعدها بسنين خبراته دي في فتح "الشام" و"العراق". ولو بصينا بعين الدراما لبطل حكايتنا، هنلاقي إن "خالد بن الوليد" خرج من هذه التجربة باسم "سيف الله المسلول"، قائد شاب أثبت إيمانه الجديد خلال وقت قليل جدًا في معركة مستحيلة، والحمد لله، نجح في إثبات إيمانه. ولكن، يا عزيزي، خلّينا نسأل سؤال: هل دا بيقولّنا إن "خالد بن الوليد" قائد فذ؟ هل هو يعني أول قائد فكر في فكرة الانسحاب المنظم؟
15:04 الحقيقة طبعًا، يا عزيزي، لأ، الفكرة موجودة من زمان، وجربها قادة كتير في حضارات مختلفة. في "الصين"، كتب "سون تزو" قبل "خالد" بأكتر من 1000 سنة... يعني، القائد الشاطر يتراجع من غير ما يخاف من كلمة "عار"، الأهم إنه يحمي جيشه. وفي "اليونان" القديمة، سنة 401 قبل الميلاد، نجح "زينوفون" في قيادة 10 آلاف جندي محاصرين في قلب "فارس" لحد "البحر الأسود"، واستخدم نفس مبادئ إعادة التنظيم والانسحاب التدريجي. وفي "روما"، "فابيوس ماكسيموس" واجه "هانيبال" بطريقة مراوغة طويلة، ينسحب ويستنزفه بدل المواجهة المباشرة، لحد ما جيش "هانيبال" اتّاكل وانسحب. كل دي أمثلة، يا عزيزي، بتقولّك إن التكتيك مش جديد، لكن تميز "خالد" كان في تطبيقه،
15:50 خُد بالك، يا عزيزي، إن هو عمل دا في صحرا مفتوحة، ما فيهاش لا حصون ولا جبال، في ليلة واحدة، من غير شهور خطوط، وبسرعة استجابة تحت ضغط رهيب، أعاد ترتيب الصفوف، وحاول يعمل خدع بصرية وخدع صوتية، وعمل فيه انسحاب تدريجي حافظ فيه على تماسك الجيش، والأهم إنه حوّل اللي كان ممكن يبقى هزيمة ساحقة لنقطة انطلاقات لفتوحات أعظم. عشان كدا، يا عزيزي، عبقرية "خالد بن الوليد" مش إنه اخترع الانسحاب المنظم، ولكن إنه طبّقه بسرعة في بيئة قاسية، وخلّاه مش مجرد قرار تكتيكي، لأ، دي خطوة استراتيجية، النبي بنفسه أقرّها وخلّدها. ننُط، يا عزيزي، سنتين قُدّام، بعد حروب الرِدّة، نروح لسنة 12 هجريًا، اللي هي 633 ميلاديًا، الخليفة "أبو بكر الصدّيق" كلّف "خالد" إنه يقود جيش المسلمين، الجيش اللي داخل "العراق" من ناحية الحنوب، بينما "عياض بن غنم" بيتحرك من الشَمال،
16:37 الخطة، يا عزيزي، إن هما يضغطوا على الفُرس من جهتين، واللي يوصل لـ"الحيرة"، عاصمة "العراق"، الأول، تبقى القيادة العامة في إيده. "خالد" انطلق من "اليمامة" في شهر مُحرّم، وفي بدايات فتوح "العراق"، اكتسح جيوش فارسية ورا بعض، وقتل القائد الفارسي "هُرمز" في معركة اسمها "ذات السلاسل"، وكسب معارك متتالية وعنيفة، معارك زي "الوَلَجة" و"أُلَيس" و"الحيرة"، الانتصارات دي، يا عزيزي، بالفعل زلزلت هيبة الفُرس. عشان كدا، الإمبراطور بيقرر يجمّع جيش بقيادة القائد الفارسي "أندرزاجر"، فين؟ عند "الوَلَجة". الخطة، يا عزيزي، إن "أندرزاجر" هيوصل الأول، وبعد كدا، ينضملّه القائد الفارسي "بهمن جاذُويَه". اللي بيحصل، يا عزيزي، إن "بهمن" دا بيغيّر مساره، فـ"خالد" بيلاقي نفسه أمام "أندرزاجر" لوحده. الوضع هنا كان خطير، جيش فارسي ضخم، ومعاه قبائل عربية مسيحية حليفة، جيش المسلمين حوالي 15 ألف، إنما الفُرس كانوا ضِعف العدد دا تقريبًا،
17:22 والأرض هنا ضد المسلمين، عندك سهل واسع شبه صحراوي محصور بين مرتفعين، والفُرس معاهم مشاة مدرّعة بأسلحة ثقيلة. قائد عادي، يا عزيزي، كان هينسحب، أو يدخل مواجهة مباشرة بهزيمة شِبه مضمونة، ولكن "خالد"، يا عزيزي، بيختار الطريق الأصعب، بيستدرجهم، وبيحوّل "الوَلَجة" لفخ قاتل، هيستخدم Technique "التطويق المزدوج"، هيعمل عليهم، يا عزيزي، بالبلدي كدا كمّاشة، بيحلّق، أو بيطوّق الجيش من الجانبين، وبعد كدا، يقفل عليهم من ورا. طبعًا، يا عزيزي، التخطيط سهل، كل واحد قعد في بيته بيفكر في خطة: "هنعملهم كدا، هنجيلهم كدا." كل دا سهل. الفكرة، هننفّذ دا ازاي على أرض الواقع؟ في مايو 633 ميلاديًا، بيوصل "خالد" لمكان المعركة، ولقى جيش الفُرس متمركز في قلب السهل الواسع، فقام موزّع قواته، حط جزء صغير من المسلمين كطُعم قُدّام،
18:09 عشان يستقبلوا الضرب، وفي نفس الوقت، بعت "ضرار بن الأزوَر" ومعاه 2000 فارس، و"سعيد بن مُرّة" ومعاه 2000 فارس هو كمان، هيعملوا إيه؟ هيستخبوا ورا التلال على الجانبين. الفرسان بيتحركوا بالليل، في سرّية تامة، ودي، يا عزيزي، كانت مغامرة جريئة جدًا، لأن أي كشف لحركتهم كان هيعرّض الخطة كلها للفشل. تاني يوم الفجر، اندفع الفُرس بقوة رهيبة، وبدأوا يضغطوا، جيش "خالد" كان أصغر بكتير، ولكنه صمد. "أندرزاجر" من شدة ثقته بنفسه والتفوق العددي ما فكرش حتى ينسحب لمكان الدفاع الطبيعي، عند ضفّة "الفرات" على بُعد ميل واحد، مع إنه لو كان رجع هناك، كان هيأمّن ضهره ويقلل من الخطر، خطر الالتفاف، اللي بأحكيلك عنه، زي ما تقول كدا، غروره خلّاه يفضل في قلب السهل المكشوف. الثقة دي، يا عزيزي، ما بتجيش من فراغ، الراجل كان شايف جيشه ضِعف عدد جيش المسلمين تقريبًا، ومعاه مشاة مسلحين بأسلحة ثقيلة تُعتبَر متقدمة جدًا وقتها،
18:59 دا مش بس كدا، دا فيه قبائل عربية مسيحية متحالفة بتدعمه. غير كدا، في عقليته الفارسية، كانت بتقولّه إن التراجع قُدّام العرب إهانة، خصوصًا إن هما لسة بيشوفوهم قوة أقل، "بقى احنا، الإمبراطورية الفارسية، هنجري من شوية عرب؟! شوية بدو؟!" "أندرزاجر" افتكر إن حجم جيشه هيبقى كفاية، وإنه مش محتاج أكتر من كدا، عشان يسحق المسلمين في مواجهة مباشرة. وهنا، يا عزيزي، غرور الفُرس هيسهّل على "خالد بن الوليد" ينفّذ خطته، اللي هي التطويق المزدوج، ويحوّل هذا الاندفاع إلى فخ قاتل. وفي عز القتال، "خالد بن الوليد" بيدّي دفعة معنوية عظيمة لجيشه، لمّا بيقرر إن هو يبارز مقاتل فارسي ضخم، اسمه "هزار مارد"، حد مشهور بقلب الـ"الألف رجُل"، ويقوم مصارعه قُدّام عيون الجنود. وأخيرًا، يا عزيزي، اتنفّذت الضربة الكبرى، فرسان "خالد" المستخبيين بيخرجوا من ورا التلال، هجموا على الجيش الفارسي من اليمين والشِمال،
19:45 وبعدين، قاموا لافّين على المؤخرة، الطوق هنا بقى مُحكم، والمسلمين قُدّام، والجانبين والخلف مسدودين، كأنه حطّهم جوا برطمان. الجيش الفارسي لقى نفسه في كمّاشة مُحكمة من كل ناحية، اتكدسوا في مساحة ضيّقة جدًا، وضاع هنا تأثير الأسلحة العظيمة والدروع العظيمة اللي هما جايين بيها! مش محتاج أقولّك، يا عزيزي، إن خساير الفُرس كانت مهولة، قليلين بس اللي قدروا يهربوا، حتى القائد بتاعهم "أندرزاجر" هرب ناحية الصحرا بدل ما يجري ناحية النهر، وانتهى بيه الحال إنه يموت من العطش في الطريق! المعركة دي كانت من أكبر وأشرس معارك المسلمين في "العراق"، واتسجلت كنموذج كلاسيكي لتكتيك التطويق المزدوج، خطة مُحكمة، تنفيذ متزامن، ضربة قاتلة قلبت الموازين في دقايق. دي نفس الخطة، يا عزيزي، اللي طبّقها "هانيبال" ضد الرومان في "كاناي" سنة 216 قبل الميلاد، It Exists!
20:31 الفرق إن "هانيبال" كان عنده 40 ألف قاتل مدرب، قُصاد 100 ألف روماني وأرض مفتوحة وخطة طويلة، بينما "خالد" بـ15 ألف جندي، لسة خارج من حروب الرِدّة، وعلى أرض صحراوية قاسية، قدِر ينفّذ ارتجالية نقدر نقول بدقّة مبهرة. عسكريًا، يا عزيزي، "خالد" لم يخترع فكرة التطويق، عبقريته إنه طبّقها في ظروف صعبة جدًا، شاف اندفاع الفُرس المتهور، وقَلَبه ضدهم في ثانية، "خالد بن الوليد" هنا طبّق مبدأ مهم، بدل المواجهة الأمامية اللي بتستنزف الجيش اضرب العدو في خاصرته وجناحه، التطويق بيحقق نصر أسرع بخساير أقل، والجيش المحاصر بيبدأ يصيبه حالة من الذعر، لأن حتى خطة الرجوع باظت خلاص، ودا، يا عزيزي، اللي حصل للفُرس، وخلّاهم ينهاروا بالرغم من تفوقهم العددي. الفكرة دي متداولة في كُتُب التكتيك العسكري، الدراسات الحديثة للمؤرخين المعاصرين،
21:17 "فريد ماكجرو دونر" و"وولتر إميل كايجي"، أعادوا تقييم هذه المعركة، واعتبروها من ألمع تكتيكات "خالد"، وتستحق إنها تُدرّس. والحقيقة، يا عزيزي، إن أهم من التكتيكات العسكرية هو النتيجة الاستراتيجية، على عكس "كاناي"، اللي ما حسمتش الحرب لـ"قرطاج" نهائيًا، "الوَلَجة" كانت جزء من سلسلة ضربات عسكرية لـ"خالد"، "ذات السلاسل" و"الولجة" و"أُلَيس" دي كلها حاجات كسّرت العمود الفقري للفُرس في "العراق"، يعني، "الولجة" مش مجرد انتصار تكتيكي، لأ، دي خطوة استراتيجية غيّرت مسار القوة في العالم القديم للأبد. بعد ما خلّص "خالد" سلسلة انتصاراته الساحقة في "العراق"، حصل تطور مفاجئ غيّر كل الحسابات، سنة 634، الخليفة "أبو بكر الصدّيق" شاف إن وجود "خالد" على جبهة "الشام" أهم بكتير من بقائه في "العراق"، اللي كان شِبه محسوم،
22:03 لأن الموقف في "الشام" بقى حرج! وصلت رسالة عاجلة للخليفة من قادة الجيوش الأربعة هناك، "أبو عُبيدة بن الجرّاح" في "دمشق" و"حوران"، "يزيد بن أبي سفيان" في "البلقان" و"الأردن"، "شرحبيل بن حسنة" في "الأردن" و"فلسطين"، و"عمرو بن العاص" في "فلسطين" و"غزّة"، كل دُول، يا عزيزي، بيطلبوا شيء واحد... "هرقل"، الإمبراطور البيزنطي، بيجمع جيش ضخم في "أنطاكية"، والموقف محتاج تدخُّل سريع. "أبو بكر" بيقرر فورًا إنه ينقل "خالد بن الوليد" بسرعة من "العراق" لـ"الشام". "خالد" بيسمع القرار، بينفّذه فورًا، من غير جدال، استخلف "المثنّى بن حارثة الشيباني" على نُص الجيش في "العراق"، عشان يحافظ على المناطق المفتوحة، وخد معاه حوالي 9000 من أقوى وأمهر المقاتلين، وبدأ، يا عزيزي، رحلته لـ"الشام". في هذه، يا عزيزي، الرحلة، هنشوف "خالد" بيعمل واحدة من أجرأ مناوراته،
22:51 يمكن تكون أجرأ مناورة في تاريخه الاستراتيجي كله. عشان، يا عزيزي، يوصل لـ"الشام"، كان قُدّامه 3 طرُق، الطريق الأول عبر "دومة الجندل" و"بُصرَى"، طريق طويل، ولكنه آمن، مليان موارد ومياه وسكان، دا، يا عزيزي، كان عيبه بسيط، إن الروم مراقبينه، لأنه طريق سهل، وفيه كل حاجة حلوة. الطريق التاني عبر "تيماء" و"الجوف"، طريق طويل وفيه ميّه، بس أقل في عدد سكانه، وبرضه، يا عزيزي، مُراقَب. تالت طريق، يا عزيزي، عبر "بادية السماوة" و"قراقر" إلى "الشام"، دا، يا عزيزي، طريق قصير، ولكنه خطير جدًا، صحراء وعرة وقاحلة، ما فيهاش ميّه تقريبًا. "خالد بن الوليد"، يا عزيزي، هيختار يروح أنهي طريق؟ هيختار يروح الطريق التالت. هيكون الدليل، يا عزيزي، "رافع بن عُمَيرة الطائي"، خبير البادية، الراجل دا، يا عزيزي، لمّا عرف إن "خالد بن الوليد" هيختار هذا الطريق الوعر، قام قايلّه...
23:41 الطريق دا، يا عزيزي، لو مشيت فيه، كنت هتقعد 5 ليالي متواصلة من غير نقطة ميّه. ولكن، يا عزيزي، "خالد" هيرتب للرحلة المستحيلة دي بطريقة عبقرية، الطريق، يا عزيزي، اعتمد هنا على معرفته بطبيعة الإبل، الجِمال، قبل ما يطلع الرحلة، ملا أمعاء الإبل بميّه كتير، وقام قاطع شفايفها العلوية، عشان ما تقدرش تجترّ الميّه، وبالتالي، ما تستهلكش الميّه اللي في كروشها بسرعة. كمان، ساق معاه 20 ناقة مخصوص للميّه بس، كاحتياط طوارئ، خطة اتطبّقت بنظام مُحكم، كل ما الميّه تقرب تخلص، "خالد" كان بيقوم دابح الناقة، ويوزّع الميّه اللي في بطونها على العطشانين، Icebox برجلين! دي، يا عزيزي، كانت عملية حسابية دقيقة، كل ناقة كانت بتكفي من 40 لـ50 جندي لمدة يوم واحد، بالخطة الجهنمية دي، "خالد" بـ9000 جندي من بتوعه،
24:27 قدروا يقطعوا الصحرا المميتة دي في 5 أيام بس، وظهروا فجأة زي الأشباح في "تَدمُر"، وصول مفاجئ ومذهل، صدم الحاميات البيزنطية، اللي ما توقعتش أبدًا إن حد يقدر يعدّي الطريق دا بجيش كامل. بمجرد وصوله، "خالد" بدأ حملة خاطفة، هاجم الحاميات البيزنطية الصغيرة بسرعة البرق، واحدة ورا التانية على طول، صالح أهل "تَدمُر" و"أرك" على دفع جزية مقابل الأمان، وقام ضارب الغساسنة في "مرج راهط"، ودا، يا عزيزي، كسر تحالفهم مع الروم. الظهور المفاجئ دا، يا عزيزي، عمل عملية إرباك للبيزنطيين، كل جيوش المسلمين المتفرقة في "الشام"، واللي كانت بتحارب في جبهات منفصلة، اتجمّعت دلوقتي في تكتل واحد قوي تحت القيادة الفعلية لـ"خالد بن الوليد". الإمبراطور "هرقل" في "أنطاكية" كان في صدمة، اتفاجئ من تكتل المسلمين قصاده، وأدرك إن الوضع كدا اتغير جذريًا.
25:13 اضطر يحشد آخر قواته في جيش ضخم، جيش متعدد الجنسيات، سلاطة، بيزنطيين من "القسطنطينية" و"الأناضول"، أرمن من شرق الإمبراطورية، سلاف من "البلقان"، فرنج من "أوروبا" الغربية، وعرب غساسنة مسيحيين، إجمالي القوات البيزنطية وصل لأرقام ضخمة، وبقى جاهز لمواجهة جيش المسلمين الموحد، اللي وصل تعداده، يا عزيزي، لـ46 ألف مقاتل، متمركزين عند حتة اسمها وادي "اليرموك" جنوب "الأردن". في أغسطس 636 ميلاديًا، بتحصل واحدة من أضخم وأخطر المواجهات اللي غيرت مجرى التاريخ في المنطقة كلها، المعركة اللي اعتبرها المؤرخين عرب وأجانب على السواء أعظم انتصارات "خالد بن الوليد"، معركة "اليرموك". تشكيل، يا عزيزي، الجيش الإسلامي كان منظم بدقة شديدة، جيش المسلمين 46 ألف مقاتل، كان متقسم على الـ4 جيوش الأصلية،
25:59 ولكن في النهاية، كلهم اتوحدوا تحت القيادة التكتيكية لـ"خالد بن الوليد"، كل جيش من دُول له تخصصه، جيش "أبو عبيدة" أقوى في المشاة والرماة، جيش "يزيد" متخصص في القتال الجبلي، جيش "شرحبيل" خبير في حروب الحصون، جيش "عمرو" ماهر في الكر والفر الصحراوي، قصادهم بقى، يا عزيزي، جيش بيزنطي مهول بجنسيات مختلفة، اتحاد أوروبي! ودي، يا عزيزي، كانت نقطة ضعفه، تعدد اللغات والثقافات في الجيش البيزنطي خلّى كل مجموعة، زي ما تقول كدا، ليها لغة مختلفة، وتكتيكات قتال مختلفة برضه، والنتيجة، مشاكل تنسيق رهيبة! القيادة البيزنطية كانت مشتتة، "ثيودوروس"، أخو "هرقل" الإمبراطور، كان، نظريًا، القائد الأعلى، و"باهان" الأرمني قائد الأرمن والمرتزقة. الحقيقة، يا عزيزي، إن "هرقل" كمان بنفسه ما حضرش المعركة، وفضل في "أنطاكية" يتابع الأخبار من بعيد، كان خايف على حياته.
26:45 استراتيجية "هرقل"، يا عزيزي، كانت نظريًا مبنية على منطق سليم، التأجيل والاستنزاف الطويل، الخطة كانت إنه يطوّل المعركة بإنه يعمل مناوشات صغيرة بشكل يومي، ويستنزف المسلمين تدريجيًا، على أمل إن الفُرس الساسانيين يوصلوا، ويساندوه ضد العدو المشترك. ولكن الفُرس ما بيجوش، ليه؟ مشغولين، فيه حروب أهلية داخلية وصراعات على العرش. هنا، يا عزيزي، "خالد" قبل هذه المعركة بيعمل عملية هيكلية، هيعمل إعادة هيكلة جذرية للجيش الإسلامي في خطوة عبقرية محسوبة، هيعمل إيه بقى؟ جمّع كل قوات الفرسان، حوالي 8000 فارس، وحطّهم كقوة احتياط استراتيجية، تحت استعماله الشخصي، بدل ما يوزعهم على الأجنحة بشكل معتاد، زي المعارك التقلدية. كمان، رتّب الجيش بتشكيل دفاعي مُحكم، الرماة بالأقواس في المقدمة، عشان يصدّوا الهجمات الأولى،
27:31 والمشاة المدرعين في الوسط، كعمود فقري للجيش، والفرسان الاحتياط في المؤخرة مستخبيين ورا التلال. المعركة ابتدت يوم 20 أغسطس سنة 636، واستمرت، يا عزيزي، 6 أيام من القتال المتواصل، أول 5 أيام كانت عبارة عن حرب استنزاف شاقة ومدمرة، كل يوم، الروم يشنوا هجمات من الفجر للغروب، والمسلمين بيصدّوا الهجمات دي بصعوبة، كانت كر وفر يومي، الروم يكسروا خط الدفاع هنا، المسلمين يرجّعوهم ويستردوا الموقع... وهكذا. في اليوم الرابع، الموقف بيوصل لدرجة من الخطر القصوى، هجوم بيزنطي رهيب كاد يكسر خطوط الدفاع الإسلامية، ويوصل، يا عزيزي، للمعسكر نفسه. اليوم السادس، يا عزيزي، كان اليوم الحاسم، "خالد" كان قاري المعركة بشكل سليم، فهم إن الروم تعبوا من عملية الاستنزاف المستمر دي،
28:18 وإن معنوياتهم بدأت تتهز، الحرب مطولة، ولسة ما فيش حسم. في نفس الوقت، "هرقل" من "أنطاكية" بعت أوامر مشددة للقادة بتوعه... It's Now, Or Never! يا إما ينتصروا النهاردة، يا إما الإمبراطورية هتفقد "الشام" للأبد. "هرقل"، يا عزيزي، بيؤمر جيشه إنه يهجم هجوم شامل أخير، بكل ما أوتي من قوة، و"خالد"، يا عزيزي، كان مستني هذه اللحظة بالظبط! لمّا شاف الجيش البيزنطي بيندفع بكل قوّته في هجمة أخيرة بائسة، أطلق كل قوات الفرسان الاحتياطية مرة واحدة، اللي هما، لو تفتكر، كانوا ورا التلال، عمل، يا عزيزي، هجمة مباغتة مدمرة. كمان، يا عزيزي، الطبيعة ساعدت المسلمين في اليوم دا، وفي نفس لحظة الهجوم، هبّت عاصفة رملية ناحية المسلمين، واقتحمت الرمال عيون الروم، ودا، يا عزيزي، أعمى الصفوف البيزنطية تمامًا،
29:05 وزوّد من قوة اندفاع الفرسان المسلمين، اللي كانوا جايين مع الريح، مش ضدها، الفرسان المسلمين اندفعوا زي الإعصار، كسّروا الجناح الأيمن البيزنطي بالكامل، وقاموا لافّين حوالين الجيش في مناورة تطويق مذهلة، كمّشوا الجيش البيزنطي من 3 جهات، وهنا، يا عزيزي، الجيش البيزنطي الضخم بينهار نفسيًا، وانشقّ لنُصين منفصلين تمامًا، وفقد كل التنسيق والتواصل بين أجزائه، اللي كانت أصلًا بتتواصل مع بعض بالعافية! الفوضى، يا عزيزي، عمّت الصفوف. ولمّا حاولوا ينسحبوا أو يهربوا، اكتشفوا إن هما وقعوا في فخ جغرافي مميت، كانوا، يا عزيزي، محاصرين من جيش المسلمين من قُدّام، ووادي "اليرموك" العميق ورا. الوادي دا، يا عزيزي، لو جيت بصيتله، هتلاقيه عبارة عن منحدرات صخرية شديدة الانحدار، ومجرى نهر عميق،
29:51 الزحمة والهلع على المعابر وعلى الجسور الضيّقة خلّى آلاف وآلاف من الجنود البيزنطيين يقعوا من على الحافة الصخرية، زي فيلم 300 كدا، لمّا زنقهم. كل دا، يا عزيزي، أدّى مع الوقت، إلى خسائر توصل لـ40 ألف جندي بيزنطي ما بين قتيل وغريق، ومن بين القتلى البيزنطيين المهمين، كان "ثيودوروس"، أخو الإمبراطور "هرقل". ودي، يا عزيزي، كانت ضربة نفسية مدمرة للإمبراطورية كلها، النتايج الاستراتيجية كانت Actually أكبر من المعركة نفسها، الانتصار دا، يا عزيزي، أنهى الوجود العسكري البيزنطي في "الشام" إلى الأبد. مدن "الشام" العريقة بدأت تسقط واحدة ورا التانية، زي أحجار الدومينو كدا، "دمشق" و"حِمص" و"حَماه" و"حَلَب"، وفي الآخر خالص، "بيت المَقدِس"، اللي استسلمت للخليفة "عمر بن الخطّاب" سنة 637. "هرقل"، يا عزيزي، عرف من هذه اللحظة
30:38 إنه فقد "سوريا" للأبد، وانكسر نفسيًا وجسديًا. ويُقال، يا عزيزي، إن هو ودّع "سوريا" بجملة شهيرة، وقال... عرف، يا عزيزي، إنه هيفقدها للأبد. زي ما قُلتلك، يا عزيزي، معركة "اليرموك" لم تكن معركة كبيرة فحسب، لأ، دي غيّرت ميزان القوة في العالم كله، وفتحت الباب على مصراعيه لقرون طويلة من الحُكم الإسلامي في بلاد "الشام"، وأسست للحضارة الإسلامية العربية في المنطقة. بعد، يا عزيزي، ما شُفنا المحطات دي، السؤال اللي ممكن يتسأل، هل شجاعة "خالد" وذكاؤه مجرد صُدفة؟ ولّا فعلًا سبق لمفاهيم الحرب الحديثة؟ عشان نجاوب، خلّينا نجرد المفاهيم الحربية النهاردة، ونجرب For The Sake of The Argument نخش بيها معركة حديثة، أول حاجة بيفكر فيها الجيش العسكري خلال هجومه هي المناورة، لازم ما يبقاش متوقع، لازم يبقى سريع ومفاجئ.
31:26 احتل فلسفة كاملة في الحروب الحديثة، لأن السرعة والمفاجأة أهم من التدمير البطيء، و"خالد" جسّد هذه الفكرة قبل قرون، في سلسلة معارك خاطفة ضد الفُرس أربكت قياداتهم، وبعدها بسرعة، نقل المعركة لـ"الشام"، قبل ما "هرقل" يستعيد توازنه. النهاردة، دا، يا عزيزي، بيسموه... تاخد قرار وتنفّذه أسرع من خِصمك، بس السرعة والمفاجأة ما يكتملوش إلا بالخداع، أو المبدأ اللي بيسموه في العلوم العسكرية... "الخداع والمناورة"، الخداع الاستراتيجي، يا عزيزي، جزء من مهارة أي جيش، زي ما شُفت، يا عزيزي، في معركة "ستالينجراد"، في معارك الحروب العالمية، وفي حرب أكتوبر، لازم شكليات ومظاهر كاذبة تشتت انتباه العدو عن الخطر الحقيقي، "خالد" عمل المبدأ في "مؤتة" من قرون، وبأبسط الطرُق، شوية غبار وصوت عالي وتغيير في ترتيبات الجيش،
32:12 عشان يوهم الروم إن "إيه دا؟! دا فيه جيش جديد!" وفي "الوَلَجة"، حط طُعم صغير قُدّام الفُرس، بينما القوة الحقيقية مستخبية ورا التلال، أدوات بسيطة في التنفيذ، عظيمة في الأثر، ودا، يا عزيزي، جوهرة الخداع الحديث. ولأن، يا عزيزي، الحاجات دي كلها أوراق ممكن تخسرها بسرعة، لازم يبقى دايمًا معاك احتياطك، مبدأ بنسميه في العلوم العسكرية، أنا معاهم بأسمّي يعني، بأقول: بسم الله، في "اليرموك"، "خالد" جمع فرسانه كقوة احتياط، ما قربلهاش طول الـ5 أيام، ولمّا جت اللحظة في اليوم السادس، دفع بيهم كلهم مرة واحدة بحسم، نفس فكرة احتياط القائد، اللي النهاردة بتُعتبر أداة أساسية، وحدة قوية تفضل ورا، ما تتحركش، غير عند الأزمة، عشان تستغل النجاح. وبما إن، يا عزيزي، المعارك الحربية دايمًا المفاجآت فيها أكتر من المتوقع، بتظهر عبقرية جملة "نابليون"... أحيانًا، يا عزيزي، بتكون عظمة خطتك
32:58 إن انت يبقى عندك القدرة إنك تنسحب منها، ما تتسجنش فيها، عقيدة بتتعلمها الجيوش النهاردة باعتبارها جزء أصيل من الدفاع، ممكن يكون انسحاب تدريجي لتأخير العدو، أو تحت ضغط وانت لسة بتقاتل، أو انسحاب كامل. "خالد" في "مؤتة" طبّق هذا المزيج، قاتل يومين، عشان يبطّأ الروم، وبعدين، انسحب بانضباط وهو بيحمي الجيش، ووصل لهدفه الأذكى، إنه يحافظ على القوة للمعركة اللي جاية، وآخر وأهم مبدأ لأي حرب هو إن المعركة ما هي إلا خطوة لهدف استراتيجي أوسع، أو ما يُسمّى بـ... في 2012، دراسة أمريكية بعنوان... دراسة عن حملة "خالد" ضد الفُرس، وصلت، يا عزيزي، لنتيجة إن هو ما كانش بيقود معارك منفصلة،
33:45 لأ، ولكنه كان بيفكر فيها كهدف استراتيجي واحد، زي مثلًا، إن هو يسيطر على وادي "الفرات"، وعشان دا، خاض سلسلة معارك مترابطة، "ذات السلاسل" و"الوَلَجة" و"أُلَيس"، كل واحدة، يا عزيزي، بتمهد للتانية. ولمّا خلّص "العراق"، ما ادّاش لخصومه فرصة يستعيدوا قوّتهم، واندفع فورًا إلى "الشام"، ودا، يا عزيزي، بالظبط اللي بيُسمّى النهاردة "الفن العملياتي". أظن كدا، يا عزيزي، أنا جاوبتك على سؤالك. "خالد بن الوليد" لم يكن مجرد فارس شجاع بيقتحم الصفوف، ولا حد مجرد بيرسم خطط على ورق، هو، يا عزيزي، جمع بين الاتنين، شجاعة ميدانية بتخلّيه دايمًا في المقدمة، وعقل بيدير المعركة كأنه Game شطرنج، بيعرف امتى يضحي بخطوة صغيرة، زي انسحاب، عشان يكسب على المدى البعيد، مهندس للمناورة، سلاحه الأول دماغه، قبل سيفه. "خالد بن الوليد" خرج من شبه الجزيرة العربية كمحارب عنيد، مدفوع بنبوءة النبي، عليه الصلاة والسلام، إنه سيف سَلّه الله على الأعداء،
34:31 وفي وقت قصير، تحولت إلى أسطورة عسكرية خالدة. قائد، يا عزيزي، ما خسرش ولا معركة مباشرة طول قيادته، قصاد أعداء أباطرة بحجم الفُرس والروم، مقاتل من العصور الوسطى، قادرين نشوف تكتيكاته العسكرية، واحنا بنقرا مثلًا عن سرعة تحرك الجنرال الأمريكي "جورج باتون"، في الحرب العالمية التانية، أو عن خطط "إروين روميل"، "تعلب الصحراء"، في نفس الحرب. الفرق الوحيد، يا عزيزي، إن "خالد" كان بيعمل دا بفرسان على الخيول، هما كانوا بيعملوه بدبابات ومدرعات وسلاح طيران، ما فيش جنرال في أي بلد أو أي معركة مش هيطبق مبادئ "خالد" الجوهرية، الجرأة في القرار، المرونة في التخطيط، السرعة في التنفيذ، والمحافظة على أرواح جيشه، والاستعداد للانسحاب، دي قِيَم عسكرية خالدة، وما بتقدمش مع مرور الزمن. في النهاية، يا عزيزي، "خالد بن الوليد" شخصية أكثر ثراءً وتعقيدًا من إن حلقة واحدة بس تختزله،
35:16 ولكننا هنا، قررنا نقدم حلقة واحدة بس عن جانب واحد بس من عبقريته، وجوهر لقبه "سيف الله المسلول"، قائد عسكري فذ، سبق عصره بقرون، واتخلّد كمثل حي يتدرّس لكل جيش في كل زمان. بس كدا، يا عزيزي. أخيرًا، وليس آخرًا، ما تنساش تشوف الحلقات اللي فاتت، تشوف الحلقات الجاية، تنزل تبص على المصادر، لو احنا على الـ"يوتيوب"، نشترك على القناة.